إدريس بنسعيد يحاضر بمركز مساحات حول السوسيولوجيا وتدوين المعيش اليومي

نظم مركز مساحات للدراسات والأبحاث، ضمن «سلسلة محاضرات مساحات»، لقاءً علميا قدمه الدكتور إدريس بنسعيد بعنوان: «بعض عتبات المرئي في الثقافة والمجتمع: ملاحظات حول تدوين المعيش اليومي».

افتُتح اللقاء بكلمة تقديمية ألقاها الدكتور يونس الوكيلي، رئيس المركز ومسيّر المحاضرة، استعرض خلالها المسار العلمي والفكري للمحاضر، وتكوينه الفلسفي الذي انفتح على علم الاجتماع، فضلًا عن تجربته السياسية والنقابية والحقوقية وإسهاماته في سوسيولوجيا السياسة، ولا سيما أبحاثه المتعلقة بالدولة والسلطة والنخب والشرعية، واضعًا هذا المسار ضمن سياق نشأة السوسيولوجيا المغربية وتطور أسئلتها وتحدياتها النظرية والمؤسساتية.

شرع بنسعيد في عرضه من سؤال الحصيلة السوسيولوجية بالمغرب، متسائلًا عن مدى قدرة التراكم الكمي للبحوث والأطروحات والمنشورات الجامعية منذ الاستقلال على بناء تقليد علمي متماسك. وميّز بين الأبحاث التي أسهمت في تطوير فهم المجتمع المغربي وتلك التي لم تستوفِ شروط الصرامة النظرية والمنهجية، مؤكدًا أن اتساع الإنتاج العلمي لا يعني بالضرورة تطور المعرفة ما لم يصاحبه نقد للمفاهيم والفرضيات والمناهج.

استحضر بنسعيد إسهامات عدد من الأجيال المؤسسة، من قبيل محمد جسوس وعبد الكبير الخطيبي وفاطمة المرنيسي وعبد الله حمودي ومليكة البلغيتي وعبد الصمد الديالمي، إلى جانب أبحاث تناولت الدولة والقبيلة والأسرة والهجرة والنخب والقيم والدين، فضلًا عن موضوعات الأجيال اللاحقة التي شملت الصحة والشباب والمخاطر والاحتجاجات والتحولات الثقافية. واعتبر أن التحدي لا يكمن في تعدد الموضوعات والتخصصات، بل في قدرتها على الإسهام في بناء معرفة تراكمية ذات أفق نظري واضح.

كما توقف بنسعيد عند المرجعيات النظرية المعتمدة في تحليل المجتمع المغربي، من الماركسية والمادية التاريخية إلى النموذج الانقسامي، ومفاهيم «الباتريمونيالية» والزبونية، وصولًا إلى مفهوم «المجتمع المركب» لدى بول باسكون. وشدد على ضرورة إخضاع هذه النماذج للاختبار والنقد، بدل إسقاطها آليًا على الواقع المحلي، والعمل على تطوير مفاهيم تستوعب خصوصيات المجتمع المغربي وتداخل أنماطه التقليدية والحديثة.

شكّل مفهوم «اللامرئي» محور المحاضرة، إذ أكد بنسعيد أن السوسيولوجيا لا تقتصر على الوقائع المباشرة، بل تسعى إلى كشف البنيات والعلاقات وآليات إنتاج المعنى والسلطة. واستنادًا إلى أعمال فلاسفة العلوم ناقش ضرورة تجاوز الحس المشترك والاختبارية الساذجة ودعا إلى تحليل الهيمنة وإعادة الإنتاج والرأسمال الرمزي، وفهم ما يُقبل اجتماعيًا وما يُدفع إلى دائرة الصمت والإقصاء.

وفي معرض تناوله هذه الإشكالية، تطرق إلى التدين والجنس والسلطة بوصفها مجالات تتداخل فيها المحظورات الاجتماعية مع علاقات الهيمنة وحدود التعبير والاعتراف. واستنادا إلى كتابات ووثائق إدوارد ميشو بيلير وإدمون دوتي وإدوارد ويسترمارك وأندريه آدم ابرز الممارسات الاجتماعية المحدودة الحضور في التدوين الرسمي، مؤكدًا على ضرورة التمييز بين القيمة التوثيقية للكتابات الكولونيالية وخلفياتها الإيديولوجية وتصنيفاتها للمجتمع المغربي.

وفي ختام عرضه، دعا المحاضر إلى إنجاز حصيلة جماعية للتراكم السوسيولوجي، تتجاوز جرد المنشورات إلى استخلاص الفرضيات الأساسية وتحديد أولويات البحث، مع بناء «جماعة علمية» تضمن استمرارية النقاش والتراكم المعرفي، وإعداد «مخطط توجيهي» يوجّه البحث المغربي ويعزز الانفتاح على التخصصات المتجاورة.

أتاحت جلسة المناقشة توسيع النقاش ليشمل العدالة الإبستمولوجية، وأثر الإرث الكولونيالي، والعلاقة بين البحث الأكاديمي والخبرة والاستشارة، فضلًا عن التحولات الرقمية وملاءمة النماذج النظرية المستوردة للواقع المغربي. وفي تعقيبه، أوضح بنسعيد أن الحصيلة المنشودة لا تعني إقصاء الأعمال السابقة، بل استيعاب منجزاتها والبناء عليها نقديًا، وأن فهم المجتمع يقتضي الانفتاح على السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والتاريخ والاقتصاد والعلوم السياسية.

كما أبرز ضرورة تجاوز البنيات المؤسسية المعلنة إلى تحليل العلاقات الفعلية للسلطة والنفوذ، مشيرًا إلى تداخل الدولة الحديثة وإمارة المؤمنين والمخزن وغيرهم من مكونات في تشكيل الحقل السياسي المغربي. وأكد أن تدوين المعيش اليومي يقتضي تحويل الممارسات المألوفة إلى موضوعات للتحليل العلمي، فيما يستلزم التعامل مع الإرث الكولونيالي استثمار مادته التوثيقية بحذر وتفكيك تصنيفاته الإيديولوجية.

وفي جواب عن أسئلة الحاضرين والحاضرات ميّز بنسعيد بين البحث العلمي المستقل والخبرة المرتبطة بطلبات الجهات الممولة، منبهًا إلى أن عدم نشر التقارير يحد من تراكم المعرفة، كما تطرق إلى تحديات البحث في الفضاء الرقمي الذي أصبح مجالًا اجتماعيًا يستدعي تطوير أدوات البحث لفهم أنماط التفاعل وإنتاج المضامين وتداولها.

تندرج هذه المحاضرة ضمن توجه مركز مساحات للدراسات والأبحاث إلى توفير فضاءات للنقاش العلمي الرصين، تجمع الباحثين من أجيال وتخصصات مختلفة، وتتيح مساءلة شروط إنتاج المعرفة الاجتماعية وآفاق تطويرها، وتجديد التفكير في علاقة العلوم الاجتماعية بالمجتمع المغربي بما يعزز قدرة البحث العلمي على فهم تحولات الجتمع.

كاتب

  • مركز مساحات للدراسات والأبحاث هو فضاء للتحالف والتفاعل بين الباحثين المنخرطين ومختلف الفاعلين الحاملين لأفكار التغيير الاجتماعي

شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *