
أمينة المكاوي تحاضر في ضرورة بناء نماذج الطاقة المتجددة من معارف الجنوب العالمي
شهد مقر مركز مساحات للدراسات والأبحاث عشية السبت 18 يوليوز 2026 اللقاء العلمي “ما بعد هيمنة الشَمال: ابتكار نماذج طاقوية مستدامة من معارف الجنوب العالمي”، وأطرته الباحثة المغربية أمينة المكاوي المختصة في الدراسات المكسيكية، والمسؤولة عن كرسي البحث في الطاقات المتجددة والسياسات الاجتماعية بجامعة يوكاتان المستقلة بالمكسيك.
تطرقت الباحثة في بداية محاضرتها لأهمية ابستيمولوجيا الجنوب العالمي وضرورة إنتاج معارف محلية، لا مجرد استهلاك معارف الشَمال كما كرست ذلك بنيات معرفية لها علاقة بسياق تاريخي واستعماري، ولا يعني ذلك رفض العلم الحديث بل إعادة التفكير في السياقات الاجتماعية والثقافية والبيئية التي يطبق فيها، وأهمية التفاعل مع معرفة الشَمال دون الذوبان فيها.
حللت الباحثة ما تسميه استعمارية المعرفة التي تنطلق منها مشاريع الطاقية التي تقوم على مجموعة من الآليات، منها: فرض تنمية جاهزة ووصفات خارجية تطبق دون حوار حقيقي مع خصوصية المكان، وتعميم نماذج تكنولوجية موحدة، كأن الحل التقني الواحد يصلح للجميع، ثم اختزال الطاقة في بعدها المادي والمعدات في حين أن الطاقة تحمل بُعدا اجتماعيا وثقافيا.
وتساءلت الباحثة: ماذا لو كانت الاستدامة الطاقية لا تُستورد بل تنتج من تربة كل مجتمع، ولا تنفصل عن خصوصيته الجغرافية؟ وهذا ليس دعوة لرفض الشَمال أو تفكيرا هوياتيا بل دعوة لإنهاء احتكار الشَمال والتبعية له والاعتراف بأن الابتكار يمكن أن يكون من التراب المحلي، وأن إمكانية إنتاج المعرفة مع الناس وبواسطة الناس باعتبارهم شركاء مطلب ملح.
وبعد هذا التأطير النظري المقتضب عرجت الباحثة إلى صلب محاضرتها عن الطاقة والاستدامة في المجتمعات الجنوبية بشكل عام وفي جنوب شرق المكسيك في إشارة إلى مشروع فيدرالي دام ثلاثة أعوام في عددٍ من القرى بعنوان “المجتمعات المايانية المستدامة”.
قدمت الباحثة لمحة عامة عن المشروع بالتركيز على كيفية دمج المعرفة التقليدية بالتكنولوجيا الحديثة لبناء أنظمة طاقية تحترم الأرض والمجتمع، وتثمن مكانة المعارف المحلية والممارسات التقليدية في تدبير أزمات البيئة، مثل التعامل مع أزمات الماء في هذه المجتمعات.
تنطلق الباحثة من أن أزمة المناخ ومتطلبات الانتقال الطاقي تدعو للتفكير في حدود النماذج الكونية خاصة ما يصاحبها من تفاوتات اجتماعية عميقة تدلّ على محدودية تلك النماذج التي صيغت في سياق الشمال العالمي ثم سرعان ما جرى تعميمها كحلول كونية واحدة صالحة لكل سياق.
وبالتركيز على المجتمعات المايا أو بلاد حكمة الأرض الحمراء كما تسميها، ترى الباحثة أن المشروعات الطاقية تُدار على أساس نيوليبرالي حيث الشركات تأتي للاستثمار من أجل الاستثمار في غياب توجه تنموي واضح، وهذا ما يفسر الحراك ضد هذه الشركات على الرغم من أولوية الطاقات المتجددة.
من هذا المنطلق، حاججت الباحثة على أن المشاريع التنموية بمختلف أشكالها يجب أن تتوفر على ثلاثة شروط: أولا، ضرورة انبثاق المعرفة من المجتمعات المحلية. ثانيا: تصميم السياسات لتلبية حاجات المجتمع المحلي الأصلي وليس خدمة لمنطق السوق والمواقع الحضرية المركزية. ثالثا: إظهار المعارف التقليدية المحلية باعتبارها معارف قائمة الذات وعدم تعريضها للإقصاء والتهميش أو اختزالها في مجرد معارف ثقافية.
ثم عرضت الباحثة في النهاية الجوانب المختلفة للمشروع الذي يهدف إلى فهم كيفيات دمج تقنيات الطاقات المتجددة على نحو يخفف من التفاوتات الاجتماعية والأثر البيئي السلبي انطلاقا من ثلاثية الطاقة والماء والإقليم، ثم تناولت بتفصيل وإسهاب رؤية المشروع وشركاءه وسياسته ومؤشراته ومخاطره ونتائجه.
في الختام، عرف اللقاء تفاعلا من المشاركين والمشاركات في القاعة عبر أسئلة وتعقيبات أغنت أفكار المحاضرة وفتحت مقارنات قائمة اليوم في المغرب في ظل بنائه لنموذجه عن أنظمة الطاقة المتجددة.
يتوفر تسجيل اللقاء كاملا على قناة مركز مساحات للدراسات والأبحاث في اليوتيوب.




