
أكاديمية مساحات تطرح في عامها الأول سؤال العدالة الإبستيمولوجية
احتضن مقر مركز مساحات للدراسات والأبحاث في مدينة المحمدية أيام 22 و23 و24 ماي 2026 فعاليات الدورة الأولى من “أكاديمية مساحات: العدالة الإبستيمولوجية والوعي النقدي (2026)” بمشاركة باحثات وباحثين وفاعلات وفاعلين مدنيين مهتمين بقضايا العدالة الاجتماعية والتغيير الاجتماعي والمعرفة النقدية. تنوعت محاور الأكاديمية بين العدالة الإبستيمولوجية والإبستيمولوجيات النسوية والمعرفة المتموضعة والعنصرية والتمييز المرتبط بسواد البشرة، إضافة إلى قضايا الإعاقة والمواضيع المرتبطة بالجسد والجنسانية والمرض، وكذلك فتح نقاشات جماعية حول الثقافة باعتبارها مجالا للهيمنة والمقاومة، وأهمية إنتاج معرفة نقدية متجذرة في الواقع الاجتماعي وقادرة على الإسهام في التغيير.
افتتحت أشغال اليوم الأول باستقبال المشاركين، تلته كلمة ترحيبية لرئيس المركز يونس الوكيلي، الذي أكّد على أهمية إيجاد فضاءات لإنتاج المعرفة النقدية المنفتحة على المجتمع، كما ذكّر بأن الأكاديمية تقوم على تصورٍ يعتبر أن إنتاج المعرفة لا يقتصر على الفضاء الأكاديمي، بل يتشكل أيضاً داخل المجتمع المدني والحركات الاجتماعية والفضاءات الثقافية البديلة والتجارب الميدانية، بما يسمح بتعدد مصادر المعرفة وتنوعها. وبيّن السياقات العامة التي أدت إلى إطلاق مشروع أكاديمية المساحات والتراكمات التي جاء على إثرها. ثم خُصصت الجلسة الأولى للتعارف وتبادل الانتظارات، إضافة إلى تقديم رهانات الأكاديمية ومقارباتها البيداغوجية القائمة على النقدية والتقاطعية والأفقية والتحررية والإبداعية والحوارية في تناولها لقضايا التمييز والسلطة والعنف، والمعاناة واللامساواة. وقد أطّر هذه الجلسة كل من خالد الحسيكة وزكرياء الإبراهيمي وحسني المخلص. وفي الجلسة الثانية، من تأطير زكرياء الإبراهيمي ومريم أولهياض، تمت مناقشة موضوع العدالة الإبستيمولوجية والمعرفة النقدية، من خلال تحليل مواقع إنتاج المعرفة والإبستيمولوجيات النسوية، والمعرفة المتموضعة والتقاطعية كأداة لفهم الاضطهاد والتمييز المركّب. أما الجلسة الثالثة، فخصصت لتقاسم تجارب الناشطية مع التركيز على قضايا النوع الاجتماعي وإعادة تشكيل المجتمع وما يرتبط بها من تحولات في العلاقات الاجتماعية والسلطة، وقد أطر الجلسة خالد لحسيكة. واختتم اليوم الأول بعرض المواضيع البحثية للمشاركين ومناقشتها بشكل جماعي، كما تمّ تشكيل مجموعات بحث موضوعاتية في إطار مقاربة تشاركية تهدف إلى إنتاج معرفة جماعية تستلهم روح تصور مساحات.
تمحورت أشغال اليوم الثاني حول قضايا السلطة والعنف وآليات التمييز. وعالجت الجلسة الأولى من تأطير ياسين يسني وبوشعيب مجدول التفكير في أشكال التمييز والهشاشات الاجتماعية، حيث تمّ تحليل تجليات اللامساواة في الحياة اليومية، مثل التمييز ضد السود أو ضد المسارات المختلفة للعيش. وفي الجلسة الثانية، قام منير خير الله بتناول تجربة الإعاقة من منظور نقدي، من خلال ربطها بالإقصاء والتمييز والنضال الاجتماعي مع فتح نقاش تفاعلي مع المشاركين. أما الجلسة الثالثة، فخصصت للمواضيع الحساسة والمعرفة النقدية حيث أكد بوشعيب مجدول على أن حساسية المواضيع لا ترتبط بالمعطيات نفسها، بل بالسياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تنتَج داخلها، ومثّل بقضايا الجسد والجنسانية والمرض باعتبارها مجالات لإنتاج المعرفة النقدية وفهم آليات الضبط الاجتماعي التي ترافق إنتاج البحث العلمي. وقد تميزت مختلف الجلسات بحضور نقاش جاد وتفاعل لافت من طرف المشاركات والمشاركين، سواء من خلال الأسئلة أو التعقيبات أو تقاسم التجارب، وهو ما أضفى على المداخلات طابعًا حيويًا وغنيًا، وأسهم في تعميق النقاش الجماعي حول العدالة المعرفية وتوسيع أفق التفكير النقدي.
أما في اليوم الثالث والأخير، فقد خُصصت الجلسة الأولى لموضوع “الثقافة كمجال لصناعة الهيمنة وفضاء للمقاومة” من تأطير أمينة البلغيتي وأميمة جماد، وتمّ التطرق إلى قضايا الهيمنة الثقافية وتجارب إنتاج المعنى إلى جانب أشكال المقاومة الثقافية والسرديات البديلة التي تنبثق من الهامش ومن التجارب اليومية والمعيشة. شكلت الجلسة مناسبة للنقاش حول موقع الباحث/ة والمثقف/ة وعلاقتهما بإنتاج المعرفة، مع التأكيد على أن المعرفة ليست محايدة أو منفصلة عن السياقات الاجتماعية والسياسية وإنما تُنتج من مواقع وتجارب وتموقعات مختلفة، كما تمّ التطرق إلى أهمية التعلم الجماعي وتفكيك الحدود الصارمة بين التخصصات وتفكيك المركزيات المعرفية التقليدية، وفتح المجال أمام أشكال معرفية وفنية “منفلتة” تتقاطع فيها العلوم الاجتماعية والفن والتخيّل والممارسة الاجتماعية. كما توقفت تفاعلات المشاركين والمشاركات عند أهمية فضاءات التفكير الجماعي وتقاسم المعرفة. أما الجلسة الثانية، فتم تخصيصها لـ”حوار وتقاسم في تجارب الناشطية”، من خلال ورشة أطرها حسني مخلص حول “مسرح المقهورين” أو “المسرح من أسفل”، باعتباره ممارسة فنية تسعى إلى تحويل الجمهور من متلقٍ سلبي إلى فاعل مشارك في التفكير والتغيير. وتطرقت الورشة إلى تجربة المسرحي “أوغوستو بوال” وتقنيات “مسرح المنتدى” مع إبراز العلاقة بين المسرح والتحرر الاجتماعي، وكيف يمكن للفن أن يتحول إلى أداة لمواجهة القهر اليومي وإعادة التفكير في علاقات السلطة داخل المجتمع. وشهدت الورشة تمارين تطبيقية وتفاعلية شارك فيها الحضور عكست روح الارتجال والعمل الجماعي التي يقوم عليها هذا النوع من المسرح. واختُتمت فقرات اليوم بنقاشات مفتوحة أكدت على أهمية بناء مساحات حرة للتفكير الجماعي، وربط البحث الأكاديمي بالممارسة الفنية والنضالية بما يسمح بإنتاج معرفة نقدية أكثر ارتباطا بالواقع وبأسئلة التغيير الاجتماعي.
ومن المنتظر أن تواصل أكاديمية مساحات تنفيذ برنامجها عن العدالة الابستيمولوجية والوعي النقدي (2026) مع نفس المشاركات والمشاركين في الأشهر القادمة بورشات حضورية وافتراضية.
