
التجربة المدرسية واللامساواة أمام مفعولات الجائحة – دة. خديجة الزاهي وتوفيق قصارى
يندرج هذا البحث في سياق التحولات التي يعيشها المجتمع المغربي اليوم، في مجابهته لمفعولات جائحة كوفيد 19. وحيث أن هذا المنعطف السوسيوتاريخي أثّر بقوة في علاقة الأفراد بذواتهم، وبالغير، وجعل علاقتهم بالعالم الاجتماعي محفوفة باللايقين، فقد أحدث بذلك تحولات في نمط العلاقات والتفاعلات الاجتماعية، وفي آليات واستراتيجيات تدبير الحياة اليومية.
لقد فاقمت جائحة كوفيد 19 من معاناة الأفراد والجماعات، وكشفت عن هشاشة الأنظمة الصحية والتعليمية، ويعتبر الحقل التربوي بالمغرب من أكثر القطاعات تأثرا. فبالرغم من تعبئة الدولة لموارد مالية وبشرية وتنظيمية إضافية، ورغم قيامها بتدخلات استعجالية لفائدة الجماعات الهشة الأكثر تضررا، إلا أن حدة التفاوتات، والانغراس البنيوي للفوارق واللامساواة ألقت بظلالها على الشباب والأطفال، وبخاصة التلاميذ المتمدرسين في العالم القروي.
لقد هدفت برامج الدعم الاجتماعي المبرمجة (مطاعم مدرسية، منح، داخليات، برنامج تيسير) إلى الحد من الهدر المدرسي، والتّعثّر الدّراسي، وتحسين ظروف تعلم التلاميذ في الأوساط المحرومة والهشة. لكن آثار هذه البرامج بقيت محدودة (المرصد الوطني للتنمية البشرية، 2018) في سياق الجائحة، نظرا لغياب استراتيجية استباقية للوصول إلى الفئات الأكثر معاناة. فتلك البرامج لم تستهدف التلاميذ الأكثر تعرضا للانقطاع، لغياب مبدأي التفريد والتفييئ في عملية التدخّل، وهذا ما أعاق الحقّ في التّمدرس، لجميع التلاميذ، في شروط عادلة ومنصفة.
هكذا أعادت مفعولات الجائحة التفكير في مشكلة تكافؤ الفرص والمساواة في التمدرس، بوصفها مشكلة اجتماعية، نظرا لعدم تمكّن التلاميذ في وضعية هشاشة اجتماعية من الولوج السهل لخدمات التعليم عن بعد، وتوقف الخدمات الأساسية المتصلة بالإيواء والتغذية والنقل، وتصاعد مخاطر العنف ضد الفتيات المتمدرسات، وتحديدا داخل المجتمعات المنخفضة الدخل (تقرير الأمم المتحدة حول التعليم أثناء وبعد الجائحة، 2020).
لقد برزت اللامساواة المدرسية كامتحان حقيقي للسياسة التربوية بالمغرب، وتحولت إلى مشكلة سوسيوتربوية عمومية مركبة، يتداخل فيها البعد العلمي بالمستويات السياسية والاقتصادية، وبالعوامل الثقافية والسوسيومجالية، وتتقاطع فيها التجربة المدرسية للتلاميذ بأسئلة الجودة والهدر و الهشاشة والتمييز والفقر، وتحضر فيها مجموعة من المفارقات : التعليم الحضوري-التعليم عن بعد؛ التعليم في العالم الحضري-التعليم في العالم القروي؛ التعليم الخصوصي- التعليم العمومي؛ تفاوتات سوسيومجالية، تفاوتات اقتصادية، تفاوتات رقمية، تفاوتات جندرية…
تأسيسا على ما سبق، كيف يمكن فهم اللامساواة المدرسية في زمن الجائحة بالمغرب؟ وكيف نستطيع فهم المعاناة والتفاوتات الاجتماعية في الحقل المدرسي العمومي بالمغرب، وبخاصة لدى تلامذة العالم القروي، وهم يجابهون آثار الجائحة ؟ وأي مقاربة تسعفنا في بناء خطاب سوسيولوجي أصيل حول الموضوع؟ وكيف نستطيع إنتاج تمفصل بين المعرفة السوسيولوجية والخطاب الحقوقي هنا والآن؟




